خليل الصفدي
375
أعيان العصر وأعوان النصر
وسيف شرعه إذا استقبله مشكل حكم فيه ومضى ، وأشرف من ساس الناس بحلقة الرضى وحكمة المرتضى ، وأعز من أغضى الشيطان لظهور ملّته على جمر الغضا . صلّى اللّه عليه وعلى آله ، وصحبه خير من اتّبع شرعه في أحكامه ، وخاف مقام ربّه فشكر اللّه له حسن مقامه ، وقصر خطاه على ما أمره ونهاه ، فلم يكن له إقدام على حركة أقدامه ، واستبرأ لدينه في قضاياه فما أخطأت سهامه مرامي مرامه ، صلاة تتألق بأنوارها البروق اللامعة ، وتتعلق بأستارها الخلائق في الواقعة ، ما قبّلت ثغور الأقلام خدود المهارق الساطعة ، ورقّمت إبر الغمام برود الحدائق اليانعة ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين . وبعد : فإن منصب الشرع الشريف لا شك في عموم نفعه ، ولا مرية في أن السوابق جرت لنصبه ، والعوالي جرّت لرفعه ، ولا ريب في أن شمم كلّ عرنين ينقاد صاغرا لوضعه ، ما حكمنا في شيء حتى نعود إلى أمره ونعوذ ، ولا خرجنا في السياسة عن حكمه لا على سبيل السهو ولا بحكم الشذوذ ، ولا برز أمره بحكم إلا وقال : سيفنا المنصور له دائم النفوذ . وكانت دمشق المحروسة كالشامة في وجنة الشام ، وكالجوهرة التي أصبحت واسطة عقد الملك في الانتظام ، هذا إلى ما جاء في فضلها في السنّة ، وثبت لنا في الخارج أنها أنموذج الجنة ، قد شغر منصب حكمها الشافعي من قاض يسوس الرعايا ، ويجتهد في أحكامه حتى تدلّه الألمعية على المقاتل الخفايا ، ويتوسّم وجوه الخصوم وكلامهم ، فيكون ابن جلا ، وطلاع الثنايا أمهلنا آراءنا الشريفة هذه الفترة ، واستخرنا اللّه تعالى - فيمن - نحليه بهذا الطوق ، أو نخصّه بهذه الدرّة ، وذكر بين أيدينا الشريفة جماعة كل منهم جلّ ، إلا أن يكون قد جلّى ، واستوعب الشروط المعتبرة ، وكان بذلك الاستيعاب محلّى ، فأشار من إشارته كالسهم الذي يصيب الإشارة ، وبركة رأيه خالصة من حظوظ النفس الأمّارة ، وعيّن من عزّت به الشريعة الشريفة منالا ، وزان رتبتها الجليلة فازدادت به جمالا ، وحمى حوزتها ؛ لأنه فارس البحث وجدّلهم وجدّلهم ، ونسف مغالط النسفي ، ولو كانت جبالا ، ونقّى ونقّح كلام من مضى ، فكم قيّد مطلقا يمرح ، وأطلق مقيّدا برسف . وجلس في حلقة دروسه ، وكأنما تطلع من محراب داود ، ويوسف يغرق المزني في وابل فضله الصيّب ، ويفوق عرف عرفانه على القاضي أبي الطيّب ، ويتلوّن الصباغ في شامله من عجزه ، ويعترف الغزالي بأنه لم يكن من نسج طرزه قد صاغ أصوله ، وابن الحداد في الفروع والتذّ بكراه ، وصاحب التنبيه لا يذوق لذّة الهجوع ، وأنفق من محصوله ، وابن الحاجب في ضيعة من صيغة منتهى الجموع ، وكان المجلس العالي القضائي الجمالي هو مظهر هذه الضمائر ، والمقصود بهذه الأدلة والأمائر ، لا تليق هذه الصفات إلا بذاته ، ولا